مؤتمر الأطراف (كوب 28): الإمارات العربية المتحدة تساهم في تعزيز المفاوضات الأفريقية وتحفيز معالجة تغير المناخ في القارة (الدكتور باكري صامب)

 

إن أفريقيا هي القارة الأقل تسببا في تغير المناخ وأكثر عرضة وتضررا لتداعياته، حيث تعاني من موجات جفاف قاسية وفيضانات وأعاصير عارمة وغيرها من كوارث ناجمة عن التغير المناخي. وهذه المفارقة هي التي حملت المسؤولين الأفريقيين إلى القول بـ "ظلم مناخي" والعقاب المزدوج للطاقة، فينبغي التساؤل عن الطرق والسبل التي يتوسل بها أفريقيا للتكيف مع الظروف الحالية لتحول الطاقة. ويرى العديد من القادة الأفارقة أن مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ لا يأخذ في الاعتبار خصوصية القارة السمراء ولا متطلباتها، ولذلك أطلقوا النقاش حول هذا الموضوع أثناء مؤتمر الأطراف الأخير الذي تم عقده في روتردام حيث ذكروا بأن أكثر من 600 مليون شخص في أفريقيا لا يحصلون على الكهرباء الأساسية. وفي أعقاب القمة الأفريقية حول المناخ في نيروبي، دعا المشاركون إلى إعارة الانتباه للتحديات التي تواجه القارة وإنشاء هيكل تمويلي جديد يتكيف مع احتياجاتها لتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة. وبما أن الأن الإمارات العربية المتحدة هي أول دولة خليجية تستضيف المؤتمر، يليق بنا أن نسأل هل يمكن لها أن تدعم المواقف الأفريقية حول المناخ؟ أو-بعبارة أخرى- هل يمكن أن تحمل مطالب القارة السمراء حول تمويل تحول الطاقة؟ وهذا السؤال رد عليه الأستاذ الدكتور باكري صامب، مدير معهد تمبكتو لدراسات السلام في مقابلة أجراها مع الصحفية سناء ياساري في التلفزيون Medi1TV، وقدم تحليلات مهمة حول تحديات المؤتمر المنعقد في دبي وخاصة التوقعات العالية لأفريقيا:

أنت تتابع المناقشات حول الدعوة الأفريقية بشأن العدالة المناخية منذ انعقاد مؤتمر كوبنهاغن الوزاري حول تغير المناخ، هل تعتقد أن مؤتمر الأطراف الذين استضافت الإماراتُ العربية المتحدة دوره الثامن والعشرين سيساهم في تعزيز وتتويج المفاوضات الأفريقية؟

لا بد من التذكير في البداية أن البلدان الأفريقية تحاول لم شملها وجمع كلمتها منذ أن أسدل الستار على أول قمة أفريقية للمناخ في نيروبي التي شهدت حضور أربعة وخمسين دولة، وشكَّل موقعَ أفريقيا في مكافحة تغيير المناخ.  وقد ركز الرئيس الكيني وليام روتو في خطابه الافتتاحي لهذا اللقاء على ضرورة تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة في أفريقيا، وإزالة الكربون من الاقتصاد العالمي، كما أكد ذلك مسؤول من دولة غانا.  غير أني أعتقد أن "الهدية" الأكبر لهذه القمة-إن جاز هذا التعبير- تتلخص في إعلان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عن إنشاء صندوق خاص لتعبئة استثمارات تستفيد منها أفريقيا لتحفيز معالجة تغير المناخ. وهذا التعهد يطرح نقاشات واسعة في القارة وخاصة مع الافتتاح القريب للمعهد العالمي لتغير المناخ في أبو ظبي، فضلا عن التدابير الأخرى التي أخذتها الإمارات لدعم الدول الأفريقية. إن هناك حاجة ملحة للعمل لصالح "العدالة المناخية"، لا سيما تجاه القارة الأفريقية، كما أكده الرئيس ماكي سال. وعلى أية حال، ستبقى أفريقيا قلقة على مستقبلها إذا لم نتحرك.

ولكن، دكتور صامب، قبل انعقاد المؤتمر في دبي سبق أن اجتمعت دول الأطراف في باريس (كوب 21) وشرم الشيخ في مصر (كوب 27)، هل تعتقد أن صوت أفريقيا مسموع حقا وأن مطالبها بخصوص تغير المناخ معتبرة؟

من الواضح أن أفريقيا تتكلم بصوت واحد في مفاوضات المناخ العالمية وتتوفر لديها القدرات الكافية والدوافع اللازمة لتكون جزءً حاسما في البحث عن الحلول للتحديات البيئية العالمية، وأعتقد أن الدول ستنجح في تحقيق نتائج تفوق التوقعات وتبني زخما لتأسيس هيكل لتمويل الطاقات المتجددة بفضل مؤتمر الأطراف الذي استضافته دبي.  ومما لا يتناطح فيه كبشان أن التعهدات التي أخذتها القارة الأفريقية - التي لا تساهم في انبعاثات غازات الدفيئة العالمية إلا بنسبة 2-3٪ فقط - قد أكدت في الأشهر الأخيرة على حاجة القارة إلى رؤية إصلاحياتها مكتملة وشاملة على المستوى الدولي من أجل تخفيف العبء المالي لمكافحة الاحتباس الحراري لدى هذه البلدان، علما بأن القارات الأخرى قد شرعت في التصنيع وعلى أفريقيا أن تتبنى الطريقة نفسها مع احترام الحدود والقيود المناخية.

تُعَد الإماراتُ العربية المتحدة أولَ دولة خليجية تستضيف دورة لمؤتمر الأطراف، إلى أي مدى يمكن لهذه الدولة التي تضخ استثمارات هائلة في القارة أن تدعم البلدان الأفريقية في تحولها إلى الطاقة؟

يبدو أن الإمارات ترغب في دعم الدول الأفريقية وحمل مواقفها بشأن العدالة المناخية، ويؤيد هذه الرؤية إعلانها في قمة نيروبي في أغسطس الماضي عن استثمارات تصل إلى 4.5 مليار دولار في الطاقة النظيفة في إفريقيا، وتعهدها بالمساهمة بحوالي 100 مليون يورو في صندوق "الخسائر والأضرار" الذي طرح رئيس "كوب 28" الإماراتي، سلطان الجابر، قرار تنفيذه أمام الممثلين الدوليين الذين اتفقوا فورا على تشغيله. وهذه المبادرة التي أخذتها دبي لتشغيل وتمويل الصندوق لصالح الدول الفقيرة انتصار تاريخي، وقد فتح المجال للدول الأخرى مثل ألمانيا والمملكة المتحدة اللتين سرعان ما اقتفيتا آثار الإمارات وقامتا بالمساهمات نفسها. نظرا لهذه الديناميكية التي تقودها الإمارات لصالح الدول الأفريقية، فليس من المستبعد أن تعطي زخما كافيا ودفعة جديدة لشكاوى القارة المناخية، لأنها تعرف مكانتها في النقاش وأهميتها في إيجاد حلول للأزمة. وعلى الرغم من الجدل المثار حول استغلال الغابات الأفريقية من قِبَل الإمارات، هناك أمل صالح في أن دبي تطمح إلى أن تتصدر أمام الدول التي ترفع أصواتها ليسمع الجميع نداء أفريقيا، ويظهر ذلك جليا في خطاب سلطان الجابر الذي جذب انتباه المجتمع الدولي إلى أنه "إذا خسرت أفريقيا، فإننا جميعا نخسر".